هل تحبني هذه المدينة
( من تجليات زيارتي إلى دمشق )
باردة هي المدينة ، سطا حاضرها على ماضيها برعونة و طيش ، و غاب الدفء و الحنان من تلافيف حاراتها ، يسكنها أناس بلا ملامح أو وجوه ، يعبرون شوارعها بسرعة الهارب من قدر محتوم ، و أنا الذي كان يغمرني شوق إلى حرارة اللقاء أكل البرد أطرافي و استوطن الصقيع قلبي و هي تلوح لي بالوداع و قد جئتها ضيفاً فما استقبلتني و كما هي المدينة كان اللقاء 16/11/2009
“رفيق نصر الله
هل تحبني هذه المدينة كما أحبها ، أم ستظل تساومني على هذا الحب ومن الحب ما قتل ، لقد مات الكثيرون منا عند أطرافها ، فلماذا تشك هذه المدينة بي ، و هي آخر الأمكنة التي أرمي ثقلي عليها هي آخر ما تبقى لي من جغرافيا في هذه الأرض ، هي آخر ما أحب من نساء و خبز ، هي آخر المرايا التي أرى فيها ، هي آخر المحطات التي أقف عندها ، هي آخر شجرات الصنوبر التي استظل بها ، هي آخر المدن التي أودعها قبل أن يحملوا جنازتي إلى قريتي البعيدة .
المدينة ملعبي و شارعي و مسرحي و صحيفتي ، المدينة المقهى و آخر ما بقي من ساحات ، ما زلت أحفظ أطرافها و دور السينما و وجوه الباعة ، المدينة رمزي و عنواني البريدي الدائم و مطاري الذي أعود إليه ، المدينة ما بقي فيها من أصدقاء و بعض النساء اللواتي ، المدينة أرقي و عذابي و الفوضى التي تعودتها ، أذهب بعيداً و لكني أعود ، هكذا يفعل دائماً العاشق الذي أدمن حباً أدماه و أنعبه لكنه لا يزال يسكن فيه ، كلما ازداد العمر قليلاً زاد حبي لها كثيراً ، و أتمنى ألا تكبر ليظل لي فيها مكان ، و إن كانت عيون الليل تسعى لأن تكسر خاطري في هذه الأيام ، لم أستوعب حتى الآن لماذا نصر على تصنيفات القرن الماضي و لماذا نستخدم عبارة اليمين و اليسار ، و نحن مثل سعادين الحدائق نقفز في كل اتجاه إكراماً لموزه ، لماذا نتحدث عن الإصلاح و نحن خبراء في الفساد السياسي ، بإمكاننا إنشاء مصانع لتعليب الفساد و تصديره أيضاً ، لماذا نصر على الحديث عن الوحدة الوطنية في زلعوم كل واحد منا ما يكفي لتقسيم دنيا النحل ، لماذا نصر على الأغاني البلدي و نحن صرنا مثل البيض الصناعي نفقس تحت ريش أي قرقة طالما فيها الدفا و العفا لماذا نتحدث عن الوعي الصحي ، و نحن شعب أكيل اللحمة النية و الكبة قليلة البرغل ( مننبسط لما بيقولوا برغلها قليل );”
وداعاً دمشق فقد كان لي فيك فيما مضى أهل و عزوة ، و ناس هم كقطر الندى و قد جفوا عن ياسمينك الدمشقي بعد أن ذبلت شراييني
ابحث في مواضيع أكثر
- شعارات لكل المراحل
- فلسطين و الذاكرة و علامات استفهام ؟؟؟
- بقايا الوطن الذي يسكنني
- أنتم أبكوا عروبتكم أما أنا فعروبتي مازالت قيد الولادة
- كيف اجتاح الرعاع المدينة
Tags: الشرايين, الفساد, الوطن, الوطنية, الياسمين, حنظلة, دمشق, رفيق نصر الله, قطر الندى, كلمات للأرض و الوطن











على
على

Facebook
RSS
Twitter