عيون من جهنم

حنظلةعندما تتناهشنا الغربة و يتسلط علينا حنيننا إلى الوطن الذي تفصلنا عنه آلاف الأميال ، يغدو البحث عن مفترج أو أحد ما يحمل رائحة الأهل و الصحبة هماً يومياً يشبه حاجتنا إلى الأكل و النوم و التنفس ، و ما أجملها تلك اللحظات التي نشعر بأن من يؤنس غربتنا هو أحد أبناء مدينتنا أو حينا درست و إياه في مدرسة واحدة أو خرجت معه في مظاهرة ما أو شتمتما الحكومة يوماً على رصيف أحد الطرقات التي كنتما تتسكعان عليها بحثاً عن عمل …

منذ التقيته صدفة في تلك البلاد البعيدة و الحياة تسير على أكمل وجه ، كنا نقضي أوقاتنا معاً ، نذهب مشاويرنا سوياً ، نلطش على البنات سوياً ، نفتعل المشاكل أينما حللنا ، و على أغاني الطرب الساحلي كنا نصدع رؤوس جيراننا في تلك الأحياء المحافظة ، مما حدا بهم إلى طردنا من عدة شقق كنا نستأجرها ، أعترف لم أكن صالحاً يوماً ، أمضي جل وقتي في اللهو و معاقرة الخمر و معاشرة النساء ، و كان لكل منا صاحبة يركن إليها ، و كانت الحياة مستمرة إلى أن أتتني ذات يوم صاحبته ، و عرضت أن أمارس الجنس معها ، فرفضت لأني لست أخون صاحبي فضحكت و قالت تعال أريك صاحبك يا عزيزي ، فوجدته مع من كانت صاحبتي ، و كانت بداية المشكلة فتركت غربتي و عدت إلى الوطن !

في الوطن اصطلح حالي ، صار لي عمل دائم اعتاش منه ، تركت الخمر و السهر ، و تصوروا أنا الذي أدمنت بنات الهوى ، عشقت جارتنا و تغيرت حال ، من حبها سكن الفرح قلبي و عشش الأمل في عيني و انفتح المستقبل أمامي على مصاريعه ، صار لي هم واحد فقط أن أتزوجها و أبني لنا عشاً نأوي إليه بقية حياتنا و هكذا صار و الحمد لله على دوام النعمة .

كنت منهمكاً في العمل حتى رأسي ، عندما إتصل بي صاحبنا لا غيره الذي فارقته في الغربة و قال أنه عاد ويريد أن يراني ، فأعطيته عنوان المكتب و ما هي إلا نصف ساعة و أطل ، سلمت عليه بحرارة فهي خمس سنوات التي باعدتنا ، قالها : نيالك يا عمي ما حدا قدك وظيفة و أمورك عال العال ، يعني شوف أنا بعدني مشرد و بلا وظيفة و أنت كيف كنت وين صرت ، قلت له كله من فضل الله ، و دعوته إلى المنزل على الغداء !

خرزة زرقة

على الغداء بدأ يحكي لي مغامراته في الغربة ، و كيف عاد معدماً و كانت عيناه لا تفارق زوجتي كما أخبرتني هي نفسها ، و صار مرافقاً لي في كل دخول و خروج أينما وليت وجهي يطلع في خلقتي ، يشاركني قهوة الصبح و بوشار السهرة و ما كان ينقصني إلا أن يشاركني فراش الزوجية ، صار كالظل الثقيل يحدثني عن مأساة حياته و يحسد هناءة عيشي ، يحسدني على عملي و زوجتي و الجاكيت و العطر و حتى الحذاء الذي أنتعله طلبه مني ذات يوم !

ما في أقوى من هيك

هل تعرفون طردت من العمل ، و ماتت زوجتي و هي تضع طفلها الأول ، و لحق الطفل بها بعد ساعات ، و هدمت البلدية بيتي لأنه لم يكن مرخصاً ، و دخلت السجن لأني ضربت المسؤول عن الهدم ، و اضطررت أن أسير حافياً في الشارع ، و عندما زارني في السجن ، فكرت أي مصيبة ستحل بي ، فاستجرت بعزرائيل منه ، فيا عزرائيل تعال خذني فالموت أرحم من صحبة تورث كل هذا !

و من شر حاسد


Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • Add to favorites
  • email
  • RSS
  • Twitter
  • Yahoo! Bookmarks

ابحث في مواضيع أكثر

  1. الطريق إلى جهنم

2 Responses to “عيون من جهنم”

  1. MC JORDAN Mozilla Firefox Windows قال:

    لَوم الآخرين سبيل العاجِزين.

  2. وشم-سراب JORDAN Internet Explorer Windows قال:

    كانت جهنم دربا محترقا
    كان الموت حلا نهرب منه

    عندما فكرت في ان هناك كثير مثل هذا الرفيق لعنت هذه الحياة

Leave a Reply