متكوماً فوق كرسيه العتيق متلفحاً ببطانية بالية لا تقيه البرد في هذه الأيام الشتائية العاصفة ، سانداً رأسه على مقعد الموقف الحجري ، خط الشيب شعره ، و حفر الفقر في وجهه أخاديد لا تغيب عن عين الناظر إليه ، و من خلف عينين غائمتين تستطيع أن تقرأ آلاف الحكايا عن وطن يسكن في الغربة أو غربة تبحث عن وطن .
Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.
للوهلة الأولى كدت أشهر كاميرتي لتلتقط هذا المشهد البائس ، لولا أني قرأت في حاله حال المئات الذين صارت السماء سقفهم و بلاط الشارع سريرهم ، و كرامة الناس لا تصلح في حال من الأحوال أن تكون سبقاً صحفياً أو عنواناً بالمانشيت العريض ، و لو هززنا به مشاعر الآلاف ، و اتكالنا أن نوقظ الضمير بمشهد المأساة انتهى زمنه فقلوب الناس تحجرت و ما عادت تصلح إلا لاختزان المزيد و المزيد من الشحوم و الكوليسترول !
سألتها : و هل تعيشين بكرامة في وطنك ، رأت في السؤال استفزازاً لها فأجابت نعم ، أنا حرة أعمل ما أريد ليس بشكل كلي و لكني أعيش بكرامة ، صدقاً لم أنتظر جواباً غير هذا لأن جوابها يشبه جوابي لو سئلت ، و لكن كان في ذهني سؤال آخر … كيف أعيش بكرامتي و أخوتي في الوطن لا يجدون رغيف الخبز ليأكلوا ، أولادهم في الشوارع يمسحون الأحذية و نوافذ السيارات ، يهيمون على الأرصفة و على البسطات ، بالأمس نام الأمير ويليم ولي العهد البريطاني تحت أحد الجسور ليحس بمعاناة المشردين ، و قد أحس بالبرد كما قال و رثى لحالهم ، أنا متأكد أنه لن يعيدها و قد قضى وقته في التواليت بعد موجة إسهال حادة ستنتابه ساعة ينهي شفقته على أولئك الناس …
أحترم الأمير ويليم لمبادرته ، و أحلم أن أحد أبناء رؤسائنا أو ملوكنا سيقوم بمثل هذه الخطوة الجريئة ، مازالت الفكرة حلماً و متأكد أنها ستبقى كذلك ، لأن المواطن عندنا لا يدخل في حسابات الدخل القومي ، و لا يشغل أي حيز في الميزانية ، و يسقط من موجبات الأمن الوطني ، حكى لي صديقي و كان يبيع الخبز في فرن عن سيدة عجوز كانت تقف في الدور كل يوم و عندما يصل الدور إليها … لم يكن في جيبها سوى عشرة ليرات فقط و هي أقل من سعر ربطة الخبز ، و كان يقول لها يا حجة سعر الربطة خمسة عشر ، و لكنها تعود في اليوم التالي و معها العشرة ليرات إياها ، في النهاية قرر أن يسأل عنها ليعرف ما حالها ، و ما قولكم ما رأى ؟!!!
غرفة من اللبن سقفها لا يحجب نور الشمس فكيف المطر ، تكوم في الزاوية صبية حامل في أول عمرها ، و حولها ولدان ، و كانت العجوز تجلس ساندة رأسها على الحائط و قد اجترأ الزمن عليها فأنهك سني عمرها ، سأل بداية أين زوج الصبية ، فجاوبته و الدمعة في عينها ذهب إلى لبنان و هناك قتل في الأحداث التي تلت اغتيال الحريري ، و عرف حكاية العشر ليرات يتصدق بها عليها أحد جيرانها ، تعيش هذه الأسرة على الخبز الحاف أيام حياتها ، أربعة أعوام على هذه الحال ، يلعن أخت الوطن اللي بيجوع ولادو و ما حدا بيطعميهم ، قال لها يا حجة لا تعذبي حالك خبزك و أكلك بيوصلوك عالبيت ، و من يومها صار يرسل لها حصتها !
طبعاً مشكور الأخ على نخوته ، و لكن هذا ليس حلاً فالأسرة تحتاج اللباس و التعليم و كثير من كل هذا ، و كم من أبناء الوطن على هذا المثال ، بصراحة أنا الذي بلا كرامة و أنا الساكت و قد صار الوطن موقف باص أو سكن المقبرة و ليس جميلاً أن يربى الوطن على الإحسان !
ابحث في مواضيع أكثر
Tags: الأمير وليم, الخبز, الزمن, الشفقة, العمر, الكرامات, المحبة, المقبرة, الوطن, وطني موقف باص, ولي عهد بريطانيا














على
على 
Facebook
RSS
Twitter
“كيف أعيش بكرامتي و أخوتي في الوطن لا يجدون رغيف الخبز ليأكلوا”
عندك حق كتييير بتروح الكرامة فى وجود الجوع و الفقر المفترس …. بس كمان كتييييير بتنعدم الكرامة بالرغم من وجود المال .. مش معيار …. و الكرامة دى حاجة كده ليها معامل صلابة و فى ناس كتير كرامتهم الماس صعب يتخدش حتى فى اصعب الازمات…و على فكرة العجوز دى منهم
“يلعن أخت الوطن اللي بيجوع ولادو و ما حدا بيطعميهم”
ليه اللعن ؟؟؟ اللى يحب وطنه مايلعنهوش … بالرغم من الظلم و الفقر و الاستعباد و القهر و الديكتاتورية … اكراما لهؤلاء امثال الذى تصدق على تلك الفقيرة بلاش نوصل لمرحلة اللعن… الطيبيين عايشين فى وسط المفتريين بلاش نلعن لهما كمان يروحوا مننا ….
طولت فى التعليق … بس حقيقى بحييك موضوع جميل جدا و مكتوب بواقعية شديدة…
حسناً صديقتي
وجود المال مش معيار أكيد ، لأنو وقت اللي بيكون في أغنيا فوق الريح ، بيكون في ناس كتير تحت و تحت ، و بالنسبة للكرامة ما ربطتها بوجود المال ، بالنسبة للعن الوطن ، آه لعنته لأن وطناً لا يمنح أبناءه الكرامة لم يعد وطناً ، يصبح سجناً قبراً زريبة و لذا فهو ملعون سلفاً
تذكرت مقولة بعتقد انها لعلي رضي الله عنه بتقول الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن
متل ما حكيت صديقي نحنا ولو حلينا مشكلة عيلة بس بيبقى في منها مئات الأمثلة اذا كنت متفائلة باللوضع
وغير هيك المشكلة الاكبر انو النظام القائم بكل الدول العربية عم تفاقم المشكلة بانو ارتفاع بالأسعار ما في وظائف ما في مصاري واردات اقل منالمصروفات وما الى ذلك
يعني السنة في نسبة فقراء السنة الجاي رح يزيد بنسبة مو ضئيلة لحتى يجي اليوم يللي نصفى كلنا مو قدرانين نلاقي لقمة خبز.
حطيت يدك عالجرح ولكن بمبضع يا صديقي