أماه … أعذري ابنك العاق !

لم يكن نهاراً اعتيادياً ذلك الصباح … أفاقت أبكر من المعتاد ، فعليها أن تعجن الخبز و تعد الفطور ، أمها لا تستطيع القيام بذلك بسبب الحمل ، و خلفها تسعة أخوة و أخوات فاغرين أفواههم ، و جل قولهم هل من مزيد ، كانت تعجن مئة رغيف ، و لكن لم يكن يكفي أكثر من نهارين و يلتهم الجياع من أخوتها كل شيء ، كانت تعمل بسرعة هائلة لكي تستطيع أن تنفذ الفكرة التي خطرت على بالها منذ زمن و شغلتها كل هذا الليل ، يا ترى ما هي الأفكار التي ترد في خاطر طفلة في الثانية عشرة من عمرها ، منذ تفتح وعيها على الدنيا و هي غارقة في مساعدة أمها في تربية إخوتها …

اليوم عيد الأم قالت في نفسها ، أخرجت كل القروش التي تملكها ، حصيلة عام كامل من الجمع في انتظار هذا اليوم  ، كان مبلغاً قليلاً جداً نصف ليرة ، و ماذا تشتري النصف ليرة ؟ لم يكن يعنيها أن هذا كل ما تملكه الآن و أنها على وشك إنفاقه ، كان اهتمامها محصوراً بالهدية التي ستجلبها لأمها ، أمسكت بالقروش بشدة و خرجت من الباب الخلفي دون علم أمها ميممة شطر الدكان البعيد .

لم تكفي النصف ليرة سوى لشراء أوقية من التمر ، و لم يكن التمر يومها محللاً للفقراء أو حتى ضمن قدرتهم على الدفع ، كانت في قمة السعادة و الفرح إذ وفقت في شراءه ، و هو سلعة نادرة حينها ، عائدة أدراجها صوب البيت و هي تمسك تحفتها الثمينة و تضمها إلى صدرها ، يا بنت ! صرخ صوت أجش من الخلف ، التفتت كان زوج عمتها عبود الثقيل الظل : ليش طالعة من البيت ؟ أردف ، لم ترد ! أستكمل : شو معك بها الصرة ؟ هنا حاولت إخفاءها بعيداً عن يديه ، و جاوبته : ما معي شي ، و لكنه أمسك يدها و أخرج الصرة حاولت منعه من فتحها و لكن محاولاتها باءت بالفشل : تمر ! من أين لك به ؟ و ألتقم بضع تمرات ، أما هي فغابت في عاصفة من الغضب و البكاء ، و عادت إلى البيت و على عتبته جلست و غرقت في حزنها و دموعها و قد علا نشيجها !

ليش عم تبكي يا بنيتي ؟ كان صوت أمها من الداخل و قد أطلت على الباب ، فقالت : الوحش أكل الهدية ! و عندما استوضحت منها ما حدث ، قالتلها بسيطة يا بنتي … زوج عمتك و أكل منها شو فيها ، و لكنها لم تقتنع ، صارت أماً و لم تقتنع و ستصير جدة و ما زالت ناقمة عليه !


كانت تلك أمي … فما أحضرت أنا لتلك الأم ، كم سيفاجئكم ذاك الجواب أو ربما لا ، فأنا لم أحضر لأمي في عيدها شيئاً ، فأنا منذ ولدت ، و أنا أحضر لها المصائب ، إن غبت فالدمعة لا تغادرها و إن حضرت ملأت قلبها بالهم ، البعض ينزعج من أمه لأنها لا توليه الاهتمام الكافي أو لأنها لم تعد موجودة إذ ارتحلت ، و أنا الابن العاق أغضب من أمي لأنها تهتم ، لأنها لا تغادر دقيقة من ليل أو نهار دون أن تفكر بي أو تحمل همي … مزاريك لبرا … حقاً لبرا ، لعمري أم أعطت كل ما أعطته دون أن تطلب جزاء أو شكوراً ، حري بي أن أحبها حتى القداسة ، و حري بي أن أطلب منها الصفح و أن أمّاه … سامحي ابنك العاق  !

لكل الأمهات في فلسطين و لبنان و العراق … أحن لخبز أمي … فأمي كل الأمهات تلك التي تودع ابنها الراحل في طريق النور مع بندقية ،  و تلك التي تحرث حقلنا بالحب الذي منه يطلع خبز الجائعين ، و تلك التي تعطي ثديها ليكبر طفلها قبل الأوان و تمشط ضفائر أختي لترسلها للمدرسة ، و لتك التي تحلم بأن تصير أماً و قد فارقت أمها في السادسة … لا تحزني يا حبيبتي ستلتقيها ذات صبح في محفل الشهداء في الجنة !

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.


إلى أمهات هذا العالم … إلى أمهات فلسطين … إلى أمي … كل عام و أنتن بألف خير !



Share and Enjoy:
  • Print
  • Digg
  • Sphinn
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Mixx
  • Google Bookmarks
  • Blogplay
  • Add to favorites
  • email
  • RSS
  • Twitter
  • Yahoo! Bookmarks

ابحث في مواضيع أكثر

لا مواضيع مرتبطة .

Tags: , , , , , , , , , , ,

7 Responses to “أماه … أعذري ابنك العاق !”

  1. زهراء SAUDI ARABIA Internet Explorer Windows قال:

    .
    .
    أ لرعشة باغتت هذا القلب الكليل
    أم لنفحة قدسية تعبقُ هنا، تُزهر ياسميناً في صدري
    اعتكفتُ هنا.. أمام هذه الأسطر؟

    : )

  2. جلناره اخت الصباح SWEDEN Internet Explorer Windows قال:

    رائعه امك..
    الله يخليك ياها وبلّغها سلامي وتحياتي
    ع فكره انا كمان التئمت من هل وحش اللي اكل التمرات
    كل عام وكل الامهات بخير

  3. lama ali SAUDI ARABIA Internet Explorer Windows قال:

    يخليلك والدتك فوق راسك ويديم امهات العالم اجمعين

  4. حياة .. Internet Explorer Windows قال:

    كل عام وهالأم العظيمة بخير
    كل عام وانت بخير يا طيب :)

  5. nawar SAUDI ARABIA Mozilla Firefox Windows قال:

    زهراء
    أهلا بك في فسحتي الصغيرة
    —-
    أختي جلنار
    أنت الرائعة
    —–
    الصديقة لما
    اشتقنالك يا بي
    —-
    حياة
    خيتا اللي ما في منها بالدني
    ———————-
    كل عام و أمهاتكن و و كل الأمهات بألف خير :smile:

  6. Pablo (yo) ARGENTINA Mozilla Firefox Windows قال:

    Great blog!!!
    If you like, come back and visit mine: http://albumdeestampillas.blogspot.com

    Thanks,
    Pablo from Argentina

  7. وشم-سراب JORDAN Internet Explorer Windows قال:

    نوار,,,دعني اصمت في حضرتك

Leave a Reply