جدتي بحر من القصص و المعاناة منذ الولادة و حتى الوفاة ، ولدت في زمن ثورة الشيخ صالح في قرية أحرقها الفرنسيون ، فهاجر أهلها إلى قرية مجاورة فكان اسمها هاجر ، عملت عند الإقطاعي فكانت تحمل الحطب ثلاثة إلى خمس كيلومترات كل يوم لتوصله إلى بيته ، تزوجت أول مرة و مات زوجها ، وتزوجت ثانية فتركها جدي و هاجر بحثاً عن لقمة العيش تاركاً لها ثمانية أولاد ، توفي أحدهم صغيراً و ربتهم حتى كبروا ، تلك توطئة بسيطة لأعيد الحكاية من جديد .
أنا كنت طالباً جامعياً و لكني لم أحب الجامعة يوماً ، و لم أكن أذهب إليها ( ببساطة كنت تنبلاً ) ، و كانت جدتي تسكن معنا و كنت أحب الاستماع إلى حكاياتها ، كل حكايات جدتي عن الشقاء و كانت تحمد الله فيها ، إلا حكاية واحدة سردتها على مسامعي ، و كانت عينها تترقرق في الدموع في كل مرة تعيد روايتها ، حكاية عمي الشهيد
في نيسان من عام 1980 ، غادر عمي إلى مدينة سورية حيث كان يعمل هناك ، في مساء ذلك اليوم عاد عمي الكبير إلى البيت ، ساحات المنزل في تلك الأيام كانت ترابية ، كنسها عمي بثيابه و هو يولول : أخي … ، أجابته جدتي : اليوم الصبح راح ، قالها : قتلوا أخي ، و تستذكر أنها كانت واقفة ، و لتجد نفسها في اللحظة التالية تساعد عمي في كناسة الدار ، ثلاثة رصاصات كانت كافية ، ليفارق الشاب الثلاثيني الحياة في أثناء دخوله بيته هناك ، غيلة و غدراً قتل عمي ، و ترك خلفه ثلاثة فتيات، عمر أصغرهن ستة أشهر ، استشهد عمي ، كفنوه بثيابه و لم تستطع جدتي أن تراه أو أن تقبله ، هي ناقمة لأنهم لم يسمحوا لها بغسله ، فهي لم تعرف أن الشهيد يوارى الثرى بدمائه .
ستة و عشرون عاماً لم تجف دمعة جدتي ، و كل يوم في الصباح تبخر صورة عمي و تقول : الله يلعن صحابها ( المدينة ) الله يخرب بيوتهم هلي قتلوك ، منذ عامين فقط نشفت دموعها ، فقد تعبت الروح فأناخت حملها و رحلت إلى بارئها .